أحمد بن محمود السيواسي
137
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 13 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 13 ) قوله ( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى ) أي من آدم وحواء ، يعني نسبة أحدكم إلى آدم وحواء كنسبة الآخر إليهما سواء بسواء فلا وجه للتفاضل والتفاخر في النسب ، نزل حين أمر النبي عليه السّلام بلالا ليؤذن بعد فتح مكة فقال حارث بن هشام أما وجد رسول اللّه سوى هذا الغراب « 1 » ، يعني بلالا ( وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً ) أي رؤوس « 2 » القبائل ، جمع شعب وهو اسم للقبيلة التي تتشعب منها القبائل كمضر وربيعة وخزيمة ، فإنها شعوب القبائل ( وَ ) جعلناكم ( قَبائِلَ ) أي الأفخاذ كهاشم وبني عامر وبني سعد ، المعنى : خلقناكم من أصل واحد ثم فرقناكم ( لِتَعارَفُوا ) أي ليعرف بعضكم بعضا ويعطيه حقه لا للتفاخر ، ثم بين ما هو سبب الفخر فقال ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ ) أي أشرفكم وأعزكم ( عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ ) أي أخوفكم وأخشاكم وإن كان عبدا حبشيا مثل بلال لا أنسبكم للتفاخروا بالأنساب ، قيل : المتقي من انقطع عن الأكوان إلى اللّه تعالى خشية منه « 3 » ، وقال عليه السّلام : « من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق اللّه » « 4 » ( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ ) بأتقاكم ( خَبِيرٌ ) [ 13 ] بافتخاركم . [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 14 ] قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 ) قوله ( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا ) نزل في جماعة من الأعراب أظهروا الإسلام ليأمنوا به على نفوسهم وأموالهم ، وقيل قدموا المدينة في سنة جدبة فأظهروا الشهادة ومنوا بذلك على النبي عليه السّلام وهم بنو أسد جاؤوا مع أهاليهم وذراريهم يطلبون الصدقة ، وقالوا يا رسول اللّه نحن آمنا طوعا فأعطنا من الغنيمة أكثر مما يعطي غيرنا « 5 » ، فقال اللّه ( قُلْ ) يا محمد ( لَمْ تُؤْمِنُوا ) حقيقة بمعنى كذبتم في إيمانكم ( وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ) أي دخلنا في الإسلام مخافة ، والمراد منه لانقياد ، قيل : نظم الكلام يقتضي أن يقال : قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا أو قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم ، وإنما عدل عنه ليفيد هذا النظم تكذيب دعويهم الإيمان ودفع نسبة نفوسهم إليه وقد روعي في هذا النوع أدب حسن حيث لم يلفظه فلم يقل كذبتم ووضع « لَمْ تُؤْمِنُوا » موضعه « 6 » ، ثم بين عدم إيمانهم فقال ( وَلَمَّا ) بمعنى لم ، أي لم ( يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) أي حبه وفي ذكر « لَمَّا » لمعنى التوقيع إيذان بأنه قد وجد من بعضهم إيمان فلذا لم يقل لم يدخل ، قيل : ذكر « وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ » بعد قوله « لَمْ تُؤْمِنُوا » تكرير من غير فائدة ، أجيب بأن فائدة قوله « لَمْ تُؤْمِنُوا » تكذيب دعويهم ، وفائدة قوله « وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ » توقيت لما أمروا به أن يقولوه ، كأنه قيل لهم ولكن قولوا أسلمنا حين لم تثبت مواطاة قلوبكم لألسنتكم ، لأن قوله « وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ » في موقع الحال من ضمير « قُولُوا » ، ففيه معنى التوقيت « 7 » ( وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) في السر كما تطيعونه في العلانية ( لا يَلِتْكُمْ ) أي لا ينقصكم ( مِنْ أَعْمالِكُمْ ) أي من ثوابها ( شَيْئاً ) بل يوفرها لكم ، من لات يليت ، أي نقص ، وقرئ بالهمز الساكن « 8 » من ألت يألت ، أي أبطل ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [ 14 ] إن صدقتم بقلوبكم .
--> ( 1 ) عن مقاتل ، انظر 5 / 206 . ( 2 ) رؤوس ، وي : رأس ، ح . ( 3 ) ولم أجد له مأخذا في المصادر التفسيرية التي راجعتها . ( 4 ) انظر الكشاف ، 6 / 22 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 5 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 3 / 266 ؛ والكشاف ، 6 / 22 - 23 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 327 . ( 6 ) نقله عن الكشاف ، 6 / 22 . ( 7 ) هذا مأخوذ عن الكشاف ، 6 / 22 . كأنه قيل لهم ولكن قولوا أسلمنا حين لم تثبت مواطاة قلوبكم لألسنتكم لأن قوله ولما يدخل الإيمان في قلوبكم في موقع الحال من ضمير قولوا ففيه معنى التوقيت ، وي : وهو قوله أسلمنا لأنه كلام واقع موقع الحال وقوله لم تؤمنوا يفيد مجرد تكذيب دعويهم وليس فيه تكرير ، ح . ( 8 ) « لا يلتكم » : قرأ البصريان بهمزة ساكنة بعد الياء وأبدل همزه مطلقا السوسي وحده ، والباقون بترك الهمز . البدور الزاهرة ، 302 .